fbpx

إعلانات الطرق في مصر.. سوق بالمليارات وفرصة اقتصادية تصطدم بالسلامة والطاقة والفوضى البصرية

إعلانات الطرق في مصر.. سوق بالمليارات وفرصة اقتصادية تصطدم بالسلامة والطاقة والفوضى البصرية

تتحرك مصر نحو إعادة تنظيم مشهد الإعلانات على الطرق، في وقت لم تعد فيه اللوحات مجرد وسيلة للترويج التجاري، وإنما أصبحت جزءًا من اقتصاد المدن ومشهدها البصري وحركة المرور فيها. ويواصل الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات على الطرق العامة جولاته بمحافظة الجيزة، حيث شملت شارع البحر الأعظم وفيصل والزمر ومحاور رئيسية أخرى، بهدف حصر الإعلانات ومراجعة مواقعها وإحداثياتها وحالتها الفنية، ومطابقة البيانات المسجلة بالواقع، ورصد المخالفات والحالات التي تحتاج إلى تقنين.

سوق يقترب من 13 مليار جنيه

وتكشف بيانات حديثة أن وراء هذه اللوحات سوقًا اقتصادية ضخمة؛ إذ بلغ الإنفاق على الإعلانات الخارجية في مصر نحو 12.7 مليار جنيه خلال 2025، بزيادة 60% على أساس سنوي. كما ارتفع إنفاق قطاع الخدمات المالية والبنوك والتكنولوجيا المالية على الإعلانات الخارجية بنسبة 67%، فيما دخل أكثر من 700 معلن جديد السوق للمرة الأولى.

وتشير البيانات أيضًا إلى أن نحو 5% فقط من مخزون الإعلانات استحوذ على 19% من الإنفاق، بما يكشف أن قيمة الموقع أصبحت أهم من مجرد عدد اللوحات، وأن السوق المصري يقترب من مرحلة يصبح فيها قياس الجمهور والأداء والعائد على الاستثمار عاملًا حاسمًا في تحديد أسعار المساحات الإعلانية.

الفرصة الأكبر: تحويل اللوحات إلى أصول رقمية

هذه السوق تفتح أمام مصر فرصة للانتقال من نموذج اللوحات التقليدية إلى منظومة أكثر تطورًا تعتمد على Digital Out-of-Home، حيث يمكن للشاشات تغيير المحتوى آليًا، وتخصيص الرسائل وفق الوقت والموقع، وربط الإعلانات ببيانات حركة المرور والجمهور.

وعالميًا، بلغ حجم سوق إعلانات الـOOH نحو 52 مليار دولار في 2025، واستحوذت الإعلانات الرقمية خارج المنزل على 41% من السوق، في اتجاه يعكس انتقال الصناعة من بيع «مساحة على لوحة» إلى بيع جمهور ووقت وموقع قابل للقياس.

وبالنسبة لمصر، يمكن أن يمثل هذا التحول فرصة لشركات التكنولوجيا والإعلان لتطوير منصات لإدارة الشاشات، وقياس الجمهور، والشراء البرنامجي، وتحليل أداء الحملات، بدل الاعتماد على التقديرات التقليدية.

لكن السائق يدفع ثمن الفوضى أحيانًا

على الجانب الآخر، فإن انتشار الإعلانات، خصوصًا الرقمية والمتحركة، يطرح سؤال السلامة المرورية. ولا يعني ذلك أن كل لوحة إعلانية تؤدي إلى حادث، لكن الدراسات الدولية تشير إلى أن بعض خصائص الإعلان، مثل الحجم والسطوع والحركة ومدة ظهور الرسالة وموقع اللوحة، يمكن أن تزيد من تشتيت انتباه السائق.

وتشير مراجعة علمية واسعة إلى أن إعلانات الطرق الإلكترونية قد تؤثر في توزيع انتباه السائق وسلوكه، بينما خلص مشروع بحثي تابع لوزارة النقل الأمريكية إلى أن العلاقة بين اللوحات الرقمية والسلامة المرورية تحتاج إلى تقييم وفق خصائص الطريق والإعلان وظروف القيادة، بدل إطلاق حكم عام على جميع اللوحات.

المشكلة ليست في الإعلان.. بل في موقعه وتصميمه

وتشير أبحاث منشورة في دوريات متخصصة إلى أن تأثير الإعلان على السائق يرتبط بدرجة كبيرة بخصائصه. فالإعلانات القريبة من إشارات المرور أو مناطق اتخاذ القرار يمكن أن تكون أكثر حساسية، كما أن المحتوى شديد الحركة أو كثيف المعلومات قد يجذب انتباه السائق لفترة أطول.

وفي المقابل، لا يمكن اعتبار اللوحات الثابتة والبسيطة مساوية للشاشات الرقمية ذات المحتوى المتغير. لذلك فإن التنظيم الأكثر كفاءة لا ينبغي أن يعتمد فقط على سؤال «هل اللوحة مرخصة؟»، وإنما أيضًا على أسئلة مثل: هل موقعها آمن؟ هل تحجب رؤية الإشارات؟ ما مستوى إضاءتها؟ وهل تقع بالقرب من تقاطع أو منحنى أو منطقة عبور؟

الكهرباء.. تكلفة لا تظهر في سعر الإعلان

التوسع في الشاشات الرقمية يضيف تحديًا آخر يتعلق بالطاقة. فاللوحات المضيئة والشاشات الإلكترونية تحتاج إلى تشغيل مستمر أو لساعات طويلة، وتزداد التكلفة مع ارتفاع مستوى السطوع ومساحة الشاشة.

وفي مصر، تناولت أبحاث هندسية بالفعل استهلاك الطاقة المرتبط باللوحات الإعلانية على الطريق الدائري بالقاهرة، وربطت انتشار اللوحات والإضاءة بكفاءة استخدام الطاقة، ما يفتح الباب أمام وضع معايير أكثر صرامة للسطوع وساعات التشغيل وكفاءة المعدات.

وهنا يمكن أن يتحول التنظيم إلى فرصة: إلزام الشاشات بأنظمة تحكم تلقائي في السطوع، وتقليل الإضاءة خلال ساعات انخفاض الحركة، واستخدام تقنيات أكثر كفاءة يمكن أن يقلل تكلفة التشغيل والبصمة البيئية في الوقت نفسه.

التلوث البصري.. عندما تصبح المدينة لوحة إعلانية

لا تتوقف المشكلة عند الطاقة. فالتكدس الكبير للوحات بأحجام وألوان وإضاءات مختلفة يمكن أن يحول المحاور الرئيسية إلى مشهد بصري شديد الازدحام، بما يؤثر في هوية المدينة ويقلل من وضوح عناصرها العمرانية.

وتشير دراسات تناولت الإعلانات الخارجية في مصر إلى ارتباط انتشار اللوحات بمشكلات التلوث البصري والضوئي، خصوصًا عندما تغيب قواعد واضحة للأحجام والألوان والكثافة ومواقع التركيب.

وهنا تصبح مهمة التنظيم أقرب إلى التخطيط العمراني: تحديد الأماكن التي يمكن أن تستوعب الإعلان، والأماكن التي يجب الحفاظ عليها باعتبارها مناطق ذات قيمة بصرية أو تاريخية أو مرورية.

من «عدد اللوحات» إلى «قيمة الموقع»

أحد أهم التغييرات التي يمكن أن تصنعها المنظومة الجديدة هو الانتقال من قياس السوق بعدد اللوحات إلى قياسه بقيمة المواقع والجمهور.

فالبيانات المصرية نفسها تظهر أن جزءًا صغيرًا من المخزون الإعلاني يحقق نسبة كبيرة من الإنفاق. وهذا يعني أن التنظيم قد لا يؤدي بالضرورة إلى انكماش السوق؛ بل يمكن أن يرفع كفاءته، عبر التخلص من المواقع منخفضة القيمة أو الخطرة، وزيادة قيمة المواقع ذات الجمهور المرتفع والمواقع الآمنة.

وهنا يمكن أن تصبح قاعدة البيانات التي يعمل الجهاز على بنائها أصلًا اقتصاديًا، إذا تضمنت الموقع، وحجم الجمهور، وحركة المرور، ونوع الإعلان، وحالته القانونية والفنية، واستهلاك الطاقة.

مصر أمام فرصة للـProgrammatic OOH

المرحلة التالية يمكن أن تكون أكثر تطورًا، عبر إدخال الشراء البرنامجي للإعلانات الخارجية، بحيث يتمكن المعلن من شراء مساحة على مجموعة من الشاشات وفق الموقع والوقت والجمهور، بدل التفاوض على كل لوحة بشكل منفصل.

وتتجه الأسواق العالمية بالفعل نحو هذا النموذج، بالتزامن مع ارتفاع حصة الإعلانات الرقمية خارج المنزل. ومع توفر قاعدة بيانات موحدة في مصر، يمكن تطوير سوق يسمح بقياس الحملة وتحديد العائد ومقارنة المواقع، وهو ما سيجعل الإعلان الخارجي أقرب إلى المنصات الرقمية من حيث البيانات والمرونة.

التنظيم لا يعني قتل السوق

التحدي أمام الدولة ليس تقليل عدد الإعلانات بأي ثمن، وإنما بناء سوق أكثر كفاءة وأمانًا.

فالسوق الذي وصل إلى 12.7 مليار جنيه خلال عام واحد يمثل فرصة اقتصادية حقيقية، ويمكن أن يوفر إيرادات للجهات المالكة للمواقع، وفرصًا لشركات الإعلان والتكنولوجيا، وسوقًا جديدة للقياس وتحليل البيانات.

لكن استمرار النمو دون قواعد واضحة قد يعني مزيدًا من التكدس البصري، واستهلاكًا أكبر للطاقة، ومخاطر إضافية في بعض المواقع المرورية.

الرهان الحقيقي

تملك مصر فرصة نادرة لتحويل ملف ظل لسنوات يُنظر إليه باعتباره مشكلة تنظيمية إلى سوق حضري ذكي قابل للقياس.

والبداية التي يقوم بها الجهاز القومي لتنظيم الإعلانات في الجيزة يمكن أن تكون أساسًا لخريطة وطنية تحدد كل موقع إعلاني، وتربطه بالسلامة المرورية والطاقة والتأثير البصري والقيمة الاقتصادية.

النجاح هنا لن يقاس بعدد اللوحات التي تمت إزالتها، وإنما بقدرة الدولة على الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: كيف نحصل على أكبر قيمة اقتصادية من الإعلان، بأقل تكلفة على الطريق والمدينة والطاقة والبيئة؟

إذا نجحت مصر في تحقيق هذه المعادلة، فقد تتحول إعلانات الطرق من مصدر للفوضى البصرية إلى أصل اقتصادي رقمي منظم، وأكثر أمانًا وكفاءة وقابلية للقياس.

استخدمت هنا مصدرًا واحدًا رئيسيًا لكل محور بدل تجميع عدة مصادر في نهاية الفقرة، مع الاعتماد على مصادر دولية/أجنبية عند الحديث عن الاتجاهات العالمية والسلامة، وعلى الدراسات المصرية عندما يكون الرقم أو التأثير خاصًا بالسوق المصري.

اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.