تتوسع الاستثمارات الخليجية في أفريقيا بوتيرة متسارعة، بقيادة الإمارات التي بلغت قيمة مشروعاتها الاستثمارية الخضراء المعلنة في القارة نحو 260 مليار دولار حتى 2025، متقدمة على الصين بـ169 مليار دولار. وتتركز الاستثمارات في الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر والبنية التحتية واللوجستيات والعقارات والنفط والغاز، مع مشروعات كبرى مثل رأس الحكمة في مصر بقيمة 24 مليار دولار، ومشروع للطاقة المتجددة في موريتانيا بنحو 34 مليار دولار. ويعكس هذا التوسع تحول الخليج إلى مصدر رئيسي لرأس المال طويل الأجل في أفريقيا، مع توظيف الاستثمارات لبناء ممرات تجارية وطاقة وبنية تحتية تربط الأسواق الأفريقية بالخليج والعالم.
الإمارات تتصدر الاستثمارات الخضراء في أفريقيا
تشهد الاستثمارات الخليجية في أفريقيا تحولًا من صفقات منفردة إلى استراتيجية استثمارية طويلة الأجل تقودها صناديق الثروة السيادية والشركات الحكومية وكبرى الشركات الخليجية، مع تركيز متزايد على قطاعات الطاقة والبنية التحتية واللوجستيات والعقارات والتعدين والتكنولوجيا.
وبحسب تقرير الاستكثار العالم 2026 الصادر عن الأونكتاد، تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها اللاعب الخليجي الأكثر نشاطًا، خصوصًا في مشروعات الاستثمار الأخضر (Greenfield)، حيث تشير البيانات الواردة في التقرير إلى وصول القيمة التراكمية للمشروعات الإماراتية المعلنة في أفريقيا إلى نحو 260 مليار دولار بحلول 2025، متقدمة على الصين التي سجلت نحو 169 مليار دولار، إلى جانب مستثمرين تقليديين مثل فرنسا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
هذا التحول يعكس تغيرًا في طبيعة العلاقة الاستثمارية بين الخليج وأفريقيا؛ فبدلًا من التركيز على الاستثمار في الأصول القائمة، تتجه رؤوس الأموال الخليجية بصورة أكبر إلى إنشاء مشروعات جديدة وتطوير البنية الإنتاجية، وهو ما يمنحها حضورًا مباشرًا في قطاعات استراتيجية مرتبطة بالنمو الاقتصادي والتحول في القارة.
رأس الحكمة نموذجًا للصفقات الخليجية الكبرى
تأتي مصر في مقدمة الوجهات الأفريقية للاستثمارات الخليجية، مع مشروع رأس الحكمة الذي يمثل أحد أكبر الاستثمارات الإماراتية في القارة بقيمة تصل إلى 24 مليار دولار، في صفقة جمعت بين التطوير العقاري والسياحي والاستثمار طويل الأجل في أحد أهم المواقع الساحلية المصرية.
ولم تتوقف الاستثمارات الخليجية عند مصر، إذ امتدت إلى مشروعات ضخمة في الطاقة والهيدروجين والبنية التحتية بعدد من الدول الأفريقية.
ففي موريتانيا، أعلنت شركة Infinity Power الإماراتية عن مشروع للطاقة المتجددة بقيمة تقارب 34 مليار دولار، بينما شهدت تونس مشروعًا للهيدروجين الأخضر بقيمة نحو 6 مليارات دولار.
وفي أوغندا، أعلنت شركة Alpha MBM Investments الإماراتية مشروعًا في قطاع النفط والغاز بقيمة تقارب 4 مليارات دولار، فيما شهدت غانا مشروعًا قطريًا في قطاع الصناعات الكيماوية بقيمة 5 مليارات دولار.
كما توسعت شركة ACWA Power السعودية في مشروعات الطاقة المتجددة في مصر، بما يعكس تنامي الدور السعودي في تمويل مشروعات الطاقة والبنية التحتية الأفريقية.
الإمارات والكويت والسعودية.. مصادر متزايدة لرأس المال العالمي
لا يمكن فصل التوسع الخليجي في أفريقيا عن الصعود المتزايد لدول الخليج كمصادر عالمية لرأس المال.
وتأتي الإمارات في مقدمة هذه الدول، إذ حلت ضمن أكبر 10 دول عالميًا من حيث تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الخارجة، بتدفقات بلغت نحو 63 مليار دولار في 2025، مقارنة بـ77 مليار دولار في 2024.
كما دخلت الكويت قائمة أكبر 20 دولة مصدرة للاستثمار عالميًا، بتدفقات استثمارية خارجة بلغت نحو 36 مليار دولار خلال 2025.
أما السعودية، فتواصل تعزيز حضورها عبر التمويل الدولي للمشروعات والشركات السعودية ذات النشاط العالمي، وفي مقدمتها شركات الطاقة مثل ACWA Power، إلى جانب دور صندوق الاستثمارات العامة والكيانات المرتبطة بالحكومة في تمويل مشروعات استراتيجية خارج المملكة.
الطاقة الخضراء والهيدروجين في مقدمة الأولويات
يكشف توزيع الاستثمارات الخليجية في أفريقيا عن تحول واضح في القطاعات المستهدفة. فـالطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر أصبحا من أبرز مجالات التوسع، بالتوازي مع الاستثمار في النفط والغاز ومشروعات البنية التحتية التقليدية.
وتكتسب هذه القطاعات أهمية خاصة بالنسبة لدول الخليج، التي تمتلك خبرات ورؤوس أموال كبيرة في الطاقة، وتسعى في الوقت نفسه إلى تنويع محافظها الاستثمارية والاستفادة من التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
كما تتوسع الاستثمارات في الموانئ والخدمات اللوجستية والاتصالات والبنية التحتية الرقمية، بما يسمح لرأس المال الخليجي ببناء روابط مباشرة بين الموانئ والأسواق الأفريقية والممرات التجارية الدولية.
من الاستثمار المالي إلى بناء ممرات اقتصادية
الأهمية الاستراتيجية للتوسع الخليجي في أفريقيا لا تكمن فقط في حجم الأموال المستثمرة، وإنما في طبيعة الأصول التي تستهدفها هذه الاستثمارات.
فالاستثمار في الموانئ والطاقة واللوجستيات والمناطق الاقتصادية والعقارات الصناعية يتيح للمستثمرين الخليجيين بناء منظومات متكاملة تربط الإنتاج الأفريقي بالأسواق الخليجية والعالمية.
ومن هذه الزاوية، تتحول أفريقيا بالنسبة إلى المستثمرين الخليجيين من مجرد سوق استهلاكية أو وجهة للاستثمار المباشر إلى جزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل سلاسل الإمداد والممرات التجارية والطاقة.
كما أن امتلاك حصص في مشروعات البنية التحتية والطاقة يمنح المستثمرين الخليجيين حضورًا طويل الأجل في اقتصادات تتمتع بمعدلات نمو سكاني واحتياجات تمويلية مرتفعة.
لماذا يهم ذلك؟
يشير تصاعد الاستثمارات الخليجية في أفريقيا إلى انتقال العلاقة الاقتصادية بين المنطقتين إلى مرحلة أكثر استراتيجية، تقودها رؤوس الأموال السيادية والاستثمار الأخضر والمشروعات العملاقة.
واللافت أن الإمارات تتقدم بوضوح في هذا المسار، بينما تتحرك السعودية وقطر والكويت لتوسيع حضورها في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعة.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر فقط بزيادة تدفقات الاستثمار الخليجي إلى أفريقيا، بل بظهور منافسة خليجية جديدة على الأصول الاستراتيجية الأفريقية، خصوصًا الطاقة والموانئ واللوجستيات والمعادن والبنية التحتية، بما قد يجعل الخليج خلال السنوات المقبلة أحد أهم مصادر رأس المال المؤثر في مسار التنمية الاقتصادية للقارة.
اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.