في خطوة تعيد رسم خريطة التجارة العالمية، قررت بكين تطبيق نظام صفر جمارك على وارداتها من 53 دولة أفريقية، موسعة نطاق الإعفاء ليشمل تقريبًا القارة بأكملها – باستثناء إسواتيني بسبب علاقاتها الدبلوماسية مع تايوان. القرار يأتي في توقيت حساس، وسط غموض يحيط بتجديد قانون African Growth and Opportunity Act الأميركي، واستمرار التوترات التجارية بين دول أفريقية والاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقيات الشراكة الاقتصادية.
الخطوة الصينية ليست تجارية فحسب؛ بل تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة تمس مصر وأفريقيا والنظام التجاري العالمي بأسره.
أولاً: ماذا يعني القرار لمصر؟
بالنسبة لمصر، التي ترتبط بعلاقات تجارية واستثمارية متنامية مع الصين، يفتح الإعفاء الجمركي نافذة فرص غير مسبوقة:
1. فرصة لتوسيع الصادرات الصناعية
المنتجات المصرية ذات القيمة المضافة – مثل الصناعات الكيماوية، الأسمدة، المنسوجات، المنتجات الغذائية المصنعة، ومواد البناء – يمكن أن تدخل السوق الصينية دون أعباء جمركية، ما يعزز قدرتها التنافسية أمام مورّدين آسيويين وأميركيين.
2. تعزيز دور المنطقة الاقتصادية لقناة السويس
المصانع الصينية العاملة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قد تستفيد من تصدير منتجات “صُنعت في مصر” إلى الصين بإعفاء كامل، ما يحول مصر إلى منصة صناعية لإعادة تصدير أفريقية – آسيوية.
3. تقليص فجوة الميزان التجاري
مصر، مثل معظم الدول الأفريقية، تعاني من عجز تجاري مع الصين نتيجة استيراد الآلات والإلكترونيات مقابل صادرات خام أو شبه مصنعة. إزالة الجمارك قد تساعد القاهرة على إعادة التوازن – بشرط رفع القدرة التصنيعية.
4. دفع التحول نحو الطاقة المتجددة
استيراد مصر وأفريقيا للألواح الشمسية الصينية ارتفع بقوة في العامين الماضيين. ومع توسع العلاقات التجارية، قد تتجه مصر نحو شراكات تصنيع مشترك بدل الاكتفاء بالاستيراد.
لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة الإنتاجية. فالإعفاء الجمركي وحده لا يكفي إذا لم تُعالج عوائق التمويل واللوجستيات والمعايير الفنية.
ثانيًا: تداعيات القرار على أفريقيا
رغم نمو التجارة بين الصين وأفريقيا إلى أكثر من 222 مليار دولار في أول 8 أشهر من 2025، لا يزال الميزان يميل بشدة لصالح بكين. الصادرات الصينية إلى أفريقيا تنمو بوتيرة أسرع بكثير من الواردات.
مكاسب محتملة:
- تحفيز تنويع الصادرات بعيدًا عن النفط والمعادن.
- جذب استثمارات صينية لتصنيع منتجات موجهة للسوق الصينية.
- تعزيز التكامل مع منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية.
مخاطر قائمة:
- استمرار الاعتماد على تصدير المواد الخام.
- اتساع فجوة القيمة المضافة.
- تحوّل القارة إلى سوق استهلاكية للبضائع الصينية منخفضة التكلفة.
بمعنى آخر، الإعفاء الجمركي قد يكون فرصة تاريخية… أو مجرد إعادة إنتاج لهيكل تجاري غير متكافئ.
ثالثًا: الصين تعيد تموضعها في مواجهة واشنطن
القرار يعكس بوضوح تصاعد المنافسة الجيوسياسية بين بكين وواشنطن على أفريقيا.
الولايات المتحدة تعتمد على قانون African Growth and Opportunity Act الذي يمنح وصولًا تفضيليًا مشروطًا للأسواق الأميركية، ويخضع لتجديد دوري وقد يتم تعليقه.
أما الاتحاد الأوروبي فيقدم نظام “Everything But Arms” للدول الأقل نموًا فقط.
في المقابل، تقدم الصين الآن إعفاءً شبه شامل دون شروط سياسية معلنة، ما يعزز قوتها الناعمة ويكرسها شريكًا تجاريًا أول للقارة.
الرئيس الصيني Xi Jinping يستخدم التجارة كأداة استراتيجية ضمن إطار منتدى التعاون الصيني-الأفريقي (FOCAC)، بينما لا تزال المقاربة الغربية مشروطة بالمعايير السياسية والحوكمة.
رابعًا: هل نحن أمام لحظة هيمنة صينية؟
التنازل عن نحو 1.4 مليار دولار من العائدات الجمركية ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل استثمار في النفوذ طويل الأمد.
الصين لا تكتفي بشراء المواد الخام؛ بل:
- تمول البنية التحتية.
- توفر معدات الطاقة المتجددة.
- تمنح تسهيلات تمويلية.
- وتدمج أفريقيا في سلاسل التوريد الخاصة بها.
هذا التمركز قد يمنح بكين أفضلية استراتيجية في:
- المعادن النادرة.
- سلاسل البطاريات والسيارات الكهربائية.
- التحول الأخضر العالمي.
الخلاصة: فرصة مشروطة
القرار الصيني قد يشكل نقطة تحول تاريخية لمصر وأفريقيا إذا تم استثماره في:
- توطين الصناعة.
- تعميق القيمة المضافة.
- تطوير سلاسل إمداد إقليمية.
- تحسين القدرة التنافسية.
أما إذا بقيت الاقتصادات الأفريقية رهينة تصدير المواد الخام، فإن صفر الجمارك لن يغير جوهر المعادلة.
اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.