fbpx

حروب النفط.. عندما تتحول المصافي وخطوط الأنابيب إلى أسلحة سياسية

حروب النفط.. عندما تتحول المصافي وخطوط الأنابيب إلى أسلحة سياسية

 لم تعد حروب النفط تقتصر على السيطرة على حقول الإنتاج، بل أصبحت المصافي وخطوط الأنابيب وموانئ التصدير وناقلات النفط والممرات البحرية أهدافًا استراتيجية يمكن أن تؤثر مباشرة في أسعار الطاقة والاقتصادات والسياسة الدولية. فاستهداف منشأة واحدة قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج ورفع علاوة المخاطر في الأسواق وزيادة تكاليف النقل والتأمين.

السعودية.. هجوم أرامكو يكشف قوة استهداف المنشآت النفطية

يظل الهجوم على منشأتي بقيق وخريص في السعودية عام 2019 أحد أبرز الأمثلة على التأثير العالمي لاستهداف البنية التحتية النفطية. وأدى الهجوم إلى تعطيل نحو 5.7 مليون برميل يوميًا من إنتاج النفط السعودي، أي ما كان يعادل آنذاك نحو 5% من الإمدادات العالمية.

وسجل خام برنت ارتفاعًا حادًا في أول جلسة تداول بعد الهجوم، في واحدة من أكبر التحركات اليومية في سوق النفط خلال سنوات، قبل أن تهدأ الأسعار مع تأكيد السعودية قدرتها على استعادة جزء كبير من الإنتاج.

الحوثيون.. من استهداف المنشآت إلى تهديد طرق النفط

تطورت حرب الطاقة المرتبطة بالحوثيين من استهداف منشآت داخل السعودية إلى تهديد طرق التجارة البحرية. فمنذ أواخر 2023، أدت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر إلى دفع عدد من شركات الشحن والناقلات إلى تجنب مضيق باب المندب والاتجاه حول رأس الرجاء الصالح.

وتراجعت تدفقات النفط والمنتجات النفطية عبر باب المندب بأكثر من 50% خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2024، إلى نحو 4 ملايين برميل يوميًا، مقابل 8.7 مليون برميل يوميًا في 2023، وفق بيانات EIA.

ولا يحتاج الطرف المهاجم بالضرورة إلى تدمير حقل أو مصفاة لتحقيق تأثير اقتصادي؛ فمجرد رفع مخاطر المرور في أحد الممرات الاستراتيجية يمكن أن يدفع السفن إلى مسارات أطول وأكثر تكلفة، ويرفع تكاليف التأمين والشحن.

مضيق هرمز.. نقطة الاختناق الأكبر

يمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق في تجارة الطاقة العالمية. وقد مرت عبره في 2025 كميات ضخمة من النفط والمنتجات النفطية، ما يجعله عنصرًا حاسمًا في صادرات السعودية والإمارات والكويت والعراق وإيران، إضافة إلى صادرات الغاز الطبيعي المسال من قطر.

وتكمن خطورة المضيق في أن أي اضطراب طويل الأمد فيه يمكن أن يتحول من أزمة إقليمية إلى أزمة عالمية، بسبب صعوبة تعويض الكميات التي تمر عبره بسرعة من خلال طرق بديلة.

إيران والخليج.. الطاقة تدخل مباشرة في دائرة الاستهداف

خلال التصعيد الإقليمي في 2026، توسعت الهجمات لتشمل منشآت الطاقة في عدد من دول الخليج، بما فيها السعودية وقطر والكويت والإمارات. وأظهرت التطورات أن البنية التحتية للطاقة أصبحت جزءًا مباشرًا من الصراع، وليس مجرد منشآت اقتصادية بعيدة عن العمليات العسكرية.

وفي قطر، تعرضت منشآت مرتبطة بصناعة الغاز الطبيعي المسال لأضرار، ما أدى إلى تعطيل جزء من قدرة البلاد على إنتاج وتصدير الغاز. وتكتسب هذه التطورات أهمية دولية بسبب اعتماد أسواق آسيا وأوروبا على إمدادات الغاز القطري.

الكويت والإمارات.. لماذا تعتبر المصافي أهدافًا حساسة؟

يكتسب استهداف المصافي أهمية خاصة لأنها تمثل الحلقة التي تحول النفط الخام إلى منتجات يستخدمها الاقتصاد مباشرة، مثل البنزين والديزل ووقود الطائرات. وبالتالي فإن تعطيل مصفاة يمكن أن يؤدي إلى نقص في المنتجات المكررة حتى إذا ظل إنتاج النفط الخام قائمًا.

وهنا يظهر الفرق بين استهداف حقل نفطي واستهداف مصفاة؛ فالهجوم على الحقل يؤثر بصورة أساسية في إنتاج الخام، بينما يمكن للهجوم على المصفاة أن ينعكس بسرعة أكبر على توافر الوقود وأسعاره في الأسواق المحلية والإقليمية.

روسيا وأوكرانيا.. حرب المصافي لضرب اقتصاد الحرب

أصبحت المصافي الروسية هدفًا متكررًا خلال الحرب بين روسيا وأوكرانيا. واستهدفت الطائرات المسيّرة الأوكرانية عددًا من المصافي ومنشآت الطاقة الروسية، في محاولة لتعطيل إنتاج الوقود وتقليص إيرادات الطاقة التي تمثل موردًا مهمًا للاقتصاد الروسي.

وتشير تقارير Reuters إلى أن الهجمات على المصافي الروسية أدت في بعض الفترات إلى تعطيل نسبة مهمة من طاقة التكرير، بينما حاولت روسيا تعويض الخسائر من خلال استخدام طاقات تكريرية احتياطية وإعادة تشغيل وحدات متوقفة.

ويختلف هذا النموذج عن فكرة رفع سعر النفط عالميًا؛ فالهدف المباشر للهجمات الأوكرانية يرتبط بتعطيل إنتاج الوقود والضغط على الإيرادات الروسية، بينما قد يكون ارتفاع الأسعار العالمية نتيجة غير مباشرة لأي اضطراب كبير في الإمدادات.

هل الهدف من الهجمات هو رفع سعر النفط؟

ليس بالضرورة. فمن غير الدقيق افتراض أن كل هجوم على منشأة نفطية يستهدف مباشرة رفع الأسعار. فقد تكون الأهداف عسكرية أو اقتصادية أو سياسية، مثل تعطيل الإنتاج، تقليص الإيرادات، الضغط على الحكومة، إرباك سلاسل الإمداد أو إجبار الخصم على استخدام طرق أكثر تكلفة.

لكن الأسواق تتفاعل مع المخاطر حتى قبل حدوث نقص فعلي؛ ولذلك يمكن لهجوم محدود على منشأة استراتيجية أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إذا اعتقد المتعاملون أن الإمدادات المستقبلية أصبحت أكثر عرضة للخطر.

من النفط إلى السياسة الدولية

تعمل حروب الطاقة من خلال سلسلة مترابطة: هجوم على منشأة أو طريق تجاري، ثم اضطراب أو تهديد للإمدادات، يليه ارتفاع في علاوة المخاطر وتكاليف النقل والتأمين، ثم تأثير محتمل على أسعار النفط والوقود والتضخم.

وهذا يجعل الطاقة قضية سياسية بقدر ما هي اقتصادية. فالدول المستوردة تخشى ارتفاع أسعار الوقود والتضخم، بينما تحاول الدول المنتجة حماية قدرتها على التصدير، وتسعى القوى الكبرى إلى تأمين طرق التجارة ومصادر الطاقة.

الخلاصة

تكشف تجارب السعودية والحوثيين وإيران ودول الخليج وروسيا وأوكرانيا أن النفط أصبح جزءًا من ساحة الحرب الحديثة. ولم يعد المطلوب دائمًا تدمير آبار النفط؛ فقد يكون استهداف مصفاة أو خط أنابيب أو ميناء أو ناقلة أو مضيق بحري كافيًا لإحداث تأثير اقتصادي وسياسي واسع.

والأهم أن تأثير الهجوم لا يتوقف عند المنشأة المستهدفة؛ فتعطيل مصفاة قد يرفع أسعار الوقود، وتهديد ناقلة قد يزيد تكاليف التأمين، وتعطيل مضيق قد يعيد رسم طرق التجارة، بينما يمكن أن تؤدي المخاوف من نقص الإمدادات إلى تحريك أسعار النفط قبل حدوث النقص فعليًا.

اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.