fbpx

صناديق الخليج تعيد توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الدفاعية والبنية التحتية

صناديق الخليج تعيد توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الدفاعية والبنية التحتية

 تتجه صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى زيادة استثماراتها في القطاعات المرتبطة بالمرونة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي، مثل الطاقة والنقل والموانئ وسلاسل الإمداد والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي والدفاع، وسط تصاعد المخاطر الجيوسياسية في المنطقة. وتظهر الإمارات في صدارة هذا التحول، مع استثمارات خارجية تقارب 15 مليار دولار خلال 2026 في هذه القطاعات.

تدفع حالة عدم اليقين الجيوسياسي في المنطقة صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى زيادة التركيز على قطاعات ترتبط مباشرة بمرونة الاقتصادات وأمن الإمدادات، من الطاقة والنقل والموانئ وسلاسل التوريد إلى البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي. وتكشف الصفقات الجديدة عن توجه لا يقتصر على الاستثمار في الصناعات الدفاعية التقليدية، بل يمتد إلى الأصول التي تضمن استمرار حركة التجارة والطاقة والاتصالات في أوقات الأزمات.

وبحسب بيانات LSEG الواردة في تقرير «زاوية»، استثمرت صناديق الثروة الإماراتية نحو 15 مليار دولار في صفقات خارجية خلال 2026 في قطاعات تشمل الطاقة والنقل وأمن سلاسل الإمداد والتكنولوجيا والبنية التحتية، فيما برزت صفقات الاستحواذ على أصول النقل والطاقة والموانئ كأحد أهم مسارات رأس المال الخليجي.

الإمارات.. النقل والطاقة والموانئ في قلب التحرك

تتصدر الإمارات المشهد مع تحركات متعددة لصناديقها الاستثمارية، سواء عبر صفقات خارجية أو تعزيز السيطرة على أصول استراتيجية محليًا.

وفي يوليو 2026، استحوذت «Dubai Aerospace Enterprise» المملوكة لـ«مؤسسة دبي للاستثمارات الحكومية» على شركة تأجير الطائرات الأيرلندية «Macquarie AirFinance» بقيمة منشأة بلغت نحو 9 مليارات دولار. وتضيف الصفقة إلى شبكة النقل الجوي التابعة للشركة الإماراتية، التي أصبحت تمتلك أسطولًا يضم نحو 1,000 طائرة، في وقت تواجه فيه شركات تصنيع الطائرات العالمية صعوبات في زيادة الإنتاج لتلبية الطلب.

وفي أبوظبي، برز صندوق «L’IMAD» الذي تأسس في 2026 بعد إعادة هيكلة أصول «ADQ»، ويدير أصولًا تقدر بنحو 300 مليار دولار. ويضع الصندوق البنية التحتية ضمن ركائز استراتيجيته الاستثمارية، بما يشمل الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية.

وفي أغسطس، قدم «L’IMAD» عرضًا بنحو 2.1 مليار دولار للاستحواذ على الحصة المتبقية البالغة 24.58% في «AD Ports Group»، في خطوة تعيد الشركة إلى الملكية الحكومية الكاملة تقريبًا بعد إدراجها في سوق أبوظبي عام 2022. وتأتي الصفقة في وقت أصبحت فيه الموانئ وسلاسل الإمداد أصولًا أكثر ارتباطًا بالأمن الاقتصادي في المنطقة.

كما استحوذ الصندوق في أغسطس على «TAQA» بقيمة بلغت نحو 1.55 مليار دولار وفق البيانات الواردة في التقرير، ما يعزز تركيز رأس المال الإماراتي على أصول الطاقة والمرافق الحيوية.

«L’IMAD» والبنية التحتية كأداة للمرونة الاقتصادية

لا تقتصر استراتيجية «L’IMAD» على الاستحواذ على أصول قائمة، إذ دخل الصندوق أيضًا في شراكة مع «BlackRock Global Infrastructure Partners» و«Temasek» و«ADNOC» تستهدف استثمارات تصل إلى 30 مليار دولار في البنية التحتية.

وتشمل الشراكة مشروعات جديدة وقائمة في قطاعات الطاقة والنقل والخدمات اللوجستية في الخليج وآسيا الوسطى وبعض أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل أكثر أهمية بالنسبة للدول الخليجية بسبب اضطرابات طرق التجارة والطاقة.

وتشير هذه التحركات إلى أن مفهوم «الاستثمار الدفاعي» بالنسبة لرأس المال السيادي لا يعني بالضرورة شراء شركات السلاح، بل يشمل امتلاك أو تطوير الأصول التي تقلل تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية، مثل الموانئ وشبكات الطاقة والمطارات وخطوط الأنابيب ومراكز البيانات.

«مبادلة».. الطاقة والبنية التحتية والذكاء الاصطناعي

تتحرك «مبادلة» أيضًا في قطاعات ترتبط بأمن الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا. ففي سبتمبر 2026، دخلت في محادثات مع مستثمرين خليجيين آخرين للاستحواذ على حصة تتراوح بين 15% و35% في شركة «Ansaldo Energia» الإيطالية، المتخصصة في توربينات الغاز والبخار وتقنيات الطاقة النووية.

وتأتي الصفقة المحتملة في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة المرتبط بالتوسع العالمي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، كما أن «Ansaldo» لديها نشاط طويل في الإمارات، وحصلت على عقد لتوريد أربعة توربينات غازية لمحطة «الظفرة» بقدرة 1 جيجاواط.

وفي قطاع الذكاء الاصطناعي، قادت «Mubadala Capital» إلى جانب مستثمرين آخرين جولة تمويلية بقيمة 3.9 مليار دولار لشركة «Crusoe» في سبتمبر، وهي شركة تطور بنية تحتية لمراكز البيانات تعتمد على استراتيجية تجمع بين الطاقة والحوسبة والذكاء الاصطناعي. وشارك «جهاز قطر للاستثمار» أيضًا في الجولة، ما يوضح التقاطع المتزايد بين أمن الطاقة والبنية التحتية الرقمية.

السعودية.. «صندوق الاستثمارات العامة» يركز على الاقتصاد المحلي

في السعودية، يتجه «صندوق الاستثمارات العامة» بصورة أكبر إلى الاستثمارات المحلية المرتبطة بالصناعة واللوجستيات والطاقة والبنية التحتية.

وتنص استراتيجية الصندوق للفترة 2026–2030 على توجيه نحو 80% من الاستثمارات إلى الاقتصاد السعودي، مع التركيز على ستة مجالات رئيسية تشمل التصنيع المتقدم والابتكار، والصناعات والخدمات اللوجستية، والطاقة النظيفة والبنية التحتية، إلى جانب السياحة والترفيه والتطوير الحضري و«نيوم».

ويكتسب قطاع النقل واللوجستيات أهمية إضافية في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر. فقد دفعت الحرب في المنطقة دول الخليج إلى تسريع خطط تطوير الموانئ وخطوط أنابيب النفط والطرق البديلة، بهدف تقليل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية.

وتبرز هذه الاستراتيجية في الاستثمارات المرتبطة بالموانئ والنقل والطاقة، باعتبارها أصولًا يمكن أن تخدم أهدافًا اقتصادية طويلة الأجل وفي الوقت نفسه تزيد قدرة الاقتصاد على التعامل مع الاضطرابات الجيوسياسية.

«MASNA Ventures».. رأس المال السعودي يدخل الدفاع مباشرة

وفي الجانب الأكثر ارتباطًا بالدفاع التقليدي، تظهر «MASNA Ventures» السعودية، وهي أول شركة رأس مال جريء سعودية متخصصة في قطاع الدفاع، بحسب «رويترز».

ويعمل الصندوق على رفع قدرته الاستثمارية إلى 150 مليون دولار، مقارنة بـ100 مليون دولار حاليًا، مع التركيز على الأنظمة ذاتية التشغيل والطائرات والمركبات غير المأهولة والأنظمة البحرية وتقنيات مكافحة الطائرات المسيّرة.

وأطلق الصندوق بالفعل مشروعًا مشتركًا بين شركة «SR2 Defence Systems» السعودية وشركة «Vector Defense» الأميركية المتخصصة في الطائرات المسيّرة، فيما يستهدف خلال 2026 تنفيذ ثلاثة مشاريع مشتركة وستة استثمارات رأسمالية.

ويمثل هذا المسار تحولًا مختلفًا عن استثمارات صناديق الثروة السيادية التقليدية، إذ يستهدف بناء قدرات تصنيع دفاعية محلية وتطوير تقنيات يمكن إنتاجها وتشغيلها داخل السعودية.

قطر.. الطاقة والكهرباء والبنية التحتية الرقمية

لا يقتصر الاتجاه على الإمارات والسعودية. ففي قطر، عزز «جهاز قطر للاستثمار» استثماراته في الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا، وهي قطاعات يمكن أن تلعب دورًا في تعزيز مرونة الاقتصاد.

وفي مارس 2026، شارك «QIA» في تحالف للاستحواذ على شركة «AES» الأميركية للطاقة بقيمة حقوق ملكية بلغت 10.7 مليار دولار وقيمة منشأة تقارب 33.4 مليار دولار، مع تركيز الشركة على الطاقة النظيفة وتوفير الكهرباء للشركات، بما في ذلك الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي.

كما استثمر «QIA» 432 مليون يورو في زيادة رأسمال شركة «RWE» الألمانية، لرفع حصته إلى 9.87%، وتُستخدم حصيلة العملية جزئيًا لزيادة حصة «RWE» في شركة «Amprion»، المشغلة لشبكة نقل الكهرباء الألمانية.

وفي البنية التحتية للنقل، استحوذ «QIA» على حصة 60% في مشروع «New Kigali International Airport» في رواندا مقابل 578 مليون دولار، مع التزام باستثمار 1.1 مليار دولار إضافية لاستكمال المشروع.

الذكاء الاصطناعي يتحول إلى «بنية تحتية دفاعية»

أحد أبرز التحولات في استراتيجية الصناديق الخليجية هو دخول الذكاء الاصطناعي إلى قائمة القطاعات المرتبطة بالمرونة الاقتصادية والأمن القومي.

وفي سبتمبر، شارك «QIA» في جولة تمويلية بقيمة 3.9 مليار دولار لشركة «Crusoe»، التي تطور مراكز بيانات وبنية تحتية للذكاء الاصطناعي مرتبطة مباشرة بمصادر الطاقة. كما استثمر الصندوق في «Positron AI» ضمن جولة بقيمة 875 مليون دولار لتطوير بنية تحتية للحوسبة والاستدلال بالذكاء الاصطناعي.

وتتحرك الإمارات في الاتجاه نفسه، مع «MGX» و«Mubadala» وغيرهما من المستثمرين الذين يركزون على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات ومراكز البيانات. ويأتي ذلك في سياق أوسع، إذ تشير دراسة لـIE University إلى أن الصناديق السيادية عالميًا باتت توجه جزءًا أكبر من رؤوس أموالها نحو الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والبنية التحتية باعتبارها قطاعات ذات أهمية استراتيجية.

لماذا تتغير أولويات الصناديق الخليجية؟

تظهر الصفقات الأخيرة أن الهدف لا يقتصر على البحث عن أعلى عائد ممكن، بل يتزايد الاهتمام بالأصول التي تجمع بين العائد والاستقرار والأهمية الاستراتيجية.

فالطاقة تضمن إمدادات الكهرباء والوقود، والموانئ والمطارات تحافظ على حركة التجارة، وخطوط الأنابيب توفر بدائل لطرق التصدير، ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد الرقمي، بينما توفر الاستثمارات الدفاعية المحلية قدرات إضافية للتعامل مع المخاطر الأمنية.

وتتزامن هذه التحولات مع اضطرابات واسعة في طرق التجارة والطاقة. فقد دفعت أزمة مضيق هرمز دول الخليج إلى تسريع مشروعات الموانئ وخطوط الأنابيب والطرق البديلة، مع اتجاه السعودية والإمارات إلى توسيع قدرات النقل والطاقة خارج مسارات هرمز التقليدية.

من «تعظيم العائد» إلى «العائد مع حماية رأس المال»

يصف التقرير الأصلي هذا التحول بأنه إعادة توازن في شهية المستثمرين، بحيث يجري البحث عن عوائد جذابة مع قدر أكبر من الحماية من مخاطر الهبوط.

ويتوافق ذلك مع اتجاه أوسع لدى الصناديق السيادية عالميًا؛ إذ أصبحت الاعتبارات الجيوسياسية والأمن الاقتصادي أكثر حضورًا في قرارات الاستثمار، خصوصًا في قطاعات الذكاء الاصطناعي والطاقة والبنية التحتية وأشباه الموصلات.

وبالنسبة للخليج، تبدو الصورة أكثر وضوحًا: رأس المال السيادي لا ينسحب من الاستثمار العالمي، لكنه يضيف إلى محفظته أصولًا يمكن أن تؤدي وظيفة استراتيجية إلى جانب الوظيفة المالية. ومن الموانئ والطائرات والطاقة إلى مراكز البيانات والروبوتات والأنظمة الدفاعية، تتحول قطاعات كانت تُعامل سابقًا كاستثمارات متخصصة إلى مكونات أساسية في استراتيجية المرونة الاقتصادية للمنطقة.

اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.