في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يقف قطاع النقل في قلب معادلة الاستثمار والتنمية. فوفقًا لتقارير البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية، تؤدي البنية التحتية للنقل دورًا جوهريًا في تحفيز النمو الاقتصادي، تقليص الفوارق الإقليمية، وتعزيز الوصول إلى الأسواق والخدمات الأساسية.
التحديات
رغم أهمية القطاع، يواجه النقل في المنطقة تحديات متراكمة:
- ضعف الصيانة وتراجع الاستثمار يؤديان إلى ارتفاع تكاليف النقل واللوجستيات.
- في اليمن، تعطل الفيضانات الطرق حتى 51 يومًا سنويًا، ما يرفع أسعار الغذاء ويحد من وصول المزارعين إلى الأسواق.
- في لبنان، نحو 578 حالة وفاة مرورية سُجلت في 2019، وسط تدهور شبكة الطرق وغياب التمويل.
- في تونس، تكلّف حوادث الطرق الاقتصاد حوالي 4.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، فيما لا يتجاوز مستوى الطرق المقبولة 50٪ من الشبكة المحلية.
- في المغرب، تستهلك تكاليف النقل حتى 20٪ من دخل الأسر الفقيرة، وسط إفلاس متكرر لمشغلي النقل الحضري.
فرص الاستثمار والعوائد
التجارب الدولية تُظهر أن الاستثمار في النقل ليس مجرد بنية تحتية، بل أداة اقتصادية مباشرة.
- تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية يشير إلى أن العائد على كل دولار يُستثمر في الطرق المعبدة يتجاوز 20٪ في بعض الدول النامية، ما يجعله من أعلى معدلات العائد على الاستثمار في البنية التحتية .
- دراسة في إثيوبيا حول تطوير 130 ألف كم من الطرق أظهرت أن المناطق المرتبطة بالشبكات الحديثة شهدت نموًا اقتصاديًا أسرع وتمدنًا أكبر، ولو على حساب الأراضي الزراعية.
الحالة المصرية
في إفريقيا، تحتل مصر المرتبة الثانية بعد سيشيل في مؤشر تنمية البنية التحتية (AIDI)، إذ سجّلت 89.9 نقطة في 2022.
- قفز مؤشر جودة الطرق من 2.7 في 2013 إلى 5.1 في 2019، بفضل استثمارات ضخمة في تحديث الشبكة.
- على مستوى الموانئ، حققت مصر ثاني أكبر معدل مناولة للحاويات في القارة بـ 7.32 مليون حاوية مكافئة (TEU)، بعد المغرب.
- مشروع تطوير محور قناة السويس يعزز مكانة البلاد كمنصة لوجستية عالمية، ما ينعكس مباشرة على الاستثمار الصناعي والخدماتي.
الاستثمار في النقل بمصر
من المتوقع أن يشهد سوق النقل العام في مصر طفرة ملحوظة خلال السنوات المقبلة. وفقًا للتقديرات، سيحقق القطاع إيرادات تصل إلى 859.8 مليون دولار بحلول نهاية عام 2025، على أن ينمو بمعدل سنوي مركب يبلغ 7.87% بين 2025 و2030، ليصل حجم السوق إلى 1.26 مليار دولار بحلول عام 2030.
مؤشرات السوق
- عدد المستخدمين: من المرجح أن يرتفع إلى 68.3 مليون مستخدم بحلول عام 2030.
- نسبة الانتشار: ستقفز من 50.4% في 2025 إلى 53.7% في 2030.
- الإيرادات لكل مستخدم (ARPU): تقدر بنحو 14.4 دولارًا أمريكيًا.
- التحول الرقمي: بحلول 2030، ستشكل المبيعات عبر الإنترنت نحو 23% من إيرادات السوق، ما يعكس اتساع دور التطبيقات الرقمية وحلول الدفع الذكي في خدمات النقل العام.
مقارنة عالمية
على الصعيد الدولي، تُظهر الأرقام اتساع الفجوة: فالولايات المتحدة وحدها ستتجاوز إيرادات النقل العام فيها 53 مليار دولار في 2025، أي ما يعادل أكثر من 60 ضعف حجم السوق المصري.
التحديات الرئيسية لقطاع النقل في مصر
- الزحام الحضري وتكدس المرور
- القاهرة الكبرى تُصنَّف من بين أكثر المدن ازدحامًا عالميًا.
- تقرير البنك الدولي أشار إلى أن الزحام المروري يُكلف الاقتصاد المصري حوالي 4٪ من الناتج المحلي سنويًا عبر خسائر في الإنتاجية، استهلاك الوقود، والتلوث.
- تفاوت جودة البنية التحتية
- رغم القفزة في جودة الطرق (من 2.7 نقطة في 2013 إلى 5.1 نقطة في 2019)، ما زالت هناك فجوة كبيرة بين الطرق السريعة الحديثة والطرق الداخلية أو الريفية التي تعاني من تآكل وصيانة محدودة.
- رغم القفزة في جودة الطرق (من 2.7 نقطة في 2013 إلى 5.1 نقطة في 2019)، ما زالت هناك فجوة كبيرة بين الطرق السريعة الحديثة والطرق الداخلية أو الريفية التي تعاني من تآكل وصيانة محدودة.
- السلامة المرورية
- معدلات حوادث الطرق في مصر من الأعلى عالميًا.
- وفقًا لإحصاءات حكومية، مصر سجلت أكثر من 7,000 حالة وفاة سنويًا بسبب الحوادث المرورية خلال العقد الماضي، مع ارتباط مباشر بسلوكيات القيادة، وضعف الرقابة، ورداءة بعض الطرق.
- ضعف النقل العام وكفاءته
- الاعتماد الكبير على السيارات الخاصة ووسائل النقل غير الرسمية (الميكروباص والتوك توك) يفاقم الزحام ويزيد من التلوث.
- شبكة المترو في القاهرة ما زالت غير كافية لتغطية الامتداد العمراني الكبير.
- التمويل والاستثمار المستدام
- تكاليف تطوير وصيانة شبكة النقل مرتفعة، ومعظم المشروعات الكبرى تعتمد على القروض أو الشراكات مع القطاع الخاص.
- الحاجة إلى استراتيجيات مستدامة تضمن التمويل طويل المدى دون تحميل الدولة أعباء ديون إضافية.
- التحديات البيئية والمناخية
- ارتفاع انبعاثات النقل (السيارات تمثل نسبة كبيرة من التلوث الحضري).
- غياب منظومة موسعة للنقل الأخضر (السيارات الكهربائية، النقل الجماعي منخفض الكربون) مقارنة بالدول المنافسة في المنطقة.
- نقص الاستثمارات في البنية التحتية والصيانة.
- الاعتماد الكبير على وسائل النقل غير الرسمية.
- الحاجة إلى تعزيز التكامل الرقمي وتحسين تجربة المستخدم.
نحو نقل مستدام وجاذب للاستثمار
الاستراتيجيات الحديثة تركز على:
- إشراك القطاع الخاص عبر الشراكات بين القطاعين العام والخاص (PPPs).
- تعزيز المرونة المناخية في البنية التحتية، كما في مشاريع الطرق المقاومة للفيضانات باليمن.
- الاستثمار في النقل الحضري المستدام مثل الـ BRT في الدار البيضاء والرباط، وهو ما بدأت مصر تدرسه عبر شبكات المترو الجديدة وخطط الأتوبيس الترددي السريع.
الاستثمار في النقل ليس إنفاقًا على طرق وجسور فحسب، بل استثمار في النمو الاقتصادي طويل المدى. وتجربة مصر الأخيرة تظهر كيف يمكن للبنية التحتية الحديثة أن تتحول إلى منصة جذب استثمارات كبرى، ليس في اللوجستيات فقط، بل في قطاعات الصناعة، السياحة، والخدمات.
اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.