تراجعت الحيازات المجمعة للسعودية والإمارات من سندات الخزانة الأميركية بنحو 16.6 مليار دولار خلال مارس، لتصل إلى 263.7 مليار دولار، في ظل موجة انخفاض أوسع لحيازات المستثمرين الأجانب عالميًا. ويأتي هذا التراجع بالتزامن مع إعادة تموضع استثماري تقودها الصناديق السيادية الخليجية، خاصة السعودية، التي تتجه نحو زيادة التركيز على الاستثمارات المحلية وتقليل الانكشاف على بعض الأصول الأجنبية، ضمن استراتيجية أوسع لتعزيز السيولة ودعم مشاريع التنويع الاقتصادي.
خفضت السعودية والإمارات حيازاتهما من سندات الخزانة الأميركية خلال مارس، في خطوة جاءت ضمن موجة تراجع أوسع في حيازات المستثمرين الأجانب للدين الأميركي، وسط تغيرات متسارعة في الأسواق العالمية وإعادة تقييم لاستراتيجيات إدارة السيولة والأصول السيادية.
وبحسب بيانات وزارة الخزانة الأميركية، تراجعت حيازة السعودية إلى 149.6 مليار دولار مقارنة بـ160.4 مليار دولار في فبراير، بانخفاض شهري بلغ 10.8 مليار دولار، بينما انخفضت حيازات الإمارات إلى 114.1 مليار دولار مقابل 119.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها.
ورغم هذا التراجع الشهري، لا تزال الحيازات الخليجية أعلى من مستوياتها قبل عام، ما يعكس أن التحركات الحالية تبدو أقرب إلى “إعادة موازنة” للمحافظ الاستثمارية أكثر من كونها انسحابًا من أدوات الدين الأميركية.
لماذا تراجعت الحيازات الآن؟
جاء الانخفاض بالتزامن مع تراجع إجمالي الحيازات الأجنبية من سندات الخزانة الأميركية إلى 9.35 تريليون دولار، مقارنة بـ9.49 تريليون دولار في فبراير، في ظل ضغوط تعرضت لها سوق السندات الأميركية نتيجة ارتفاع العوائد وتقلبات توقعات أسعار الفائدة.
ويشير محللون إلى أن جزءًا من الانخفاض لا يرتبط فقط بعمليات بيع مباشرة، بل أيضًا بتراجع تقييمات السندات نفسها بعد انخفاض أسعارها خلال مارس، إلى جانب تحركات واسعة من المستثمرين لتقليص التعرض للأدوات قصيرة الأجل وإعادة التموضع نحو آجال أطول.
السعودية تعيد تشكيل استراتيجيتها الاستثمارية
التحركات الأخيرة تأتي في وقت يشهد فيه صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF) إعادة صياغة واضحة لأولوياته الاستثمارية، ضمن استراتيجية 2026–2030 الجديدة، التي ترفع التركيز على الاستثمار المحلي إلى 80% مقابل تقليص الحصة الدولية إلى 20%.
ويبدو هذا التحول واضحًا في تحركات الصندوق داخل الأسواق الأميركية، حيث خفض انكشافه على الأسهم الأميركية المدرجة إلى نحو 12 مليار دولار فقط بنهاية الربع الأول من 2026، مقارنة بنحو 25.6 مليار دولار في ذروة استثماراته خلال 2025.
كما تقلص عدد الشركات الأميركية ضمن محفظته إلى أربع شركات فقط تشمل:
• Uber Technologies
• Lucid Group
• Electronic Arts
• Claritev Corp
في المقابل، ارتفعت استثمارات المملكة في سندات الخزانة الأميركية بشكل حاد خلال الأشهر الأخيرة، لتصل في فبراير إلى 160.4 مليار دولار، وهو من أعلى المستويات منذ سنوات.
من الأسهم إلى أدوات أكثر أمانًا وسيولة
يعكس هذا التحول تغيرًا في فلسفة إدارة رأس المال السيادي، حيث تتجه الصناديق الخليجية بشكل أكبر نحو:
• الحفاظ على مستويات سيولة مرتفعة
• تقليل التقلبات المرتبطة بأسواق الأسهم
• تعزيز المرونة التمويلية لمشروعات Vision 2030
• إعادة توجيه رأس المال نحو الاقتصاد المحلي
• التركيز على الأصول الأقل مخاطرة والأكثر قابلية للتسييل
كما تأتي هذه التحركات في وقت تواجه فيه السعودية ضغوطًا مرتبطة بارتفاع احتياجات الإنفاق المحلي وتمويل المشاريع العملاقة، بالتزامن مع بقاء أسعار النفط دون مستويات التعادل المالي المقدرة في الموازنة السعودية.
الأسواق الأميركية لا تزال مهمة… لكن بشروط جديدة
ورغم تقليص الانكشاف على الأسهم الأميركية، لا تبدو السعودية بصدد الانسحاب من السوق الأميركية بالكامل، بل إعادة تعريف علاقتها بها.
فالصندوق السيادي لا يزال يحتفظ برهانات استراتيجية ضخمة في قطاعات:
• التنقل الكهربائي
• الألعاب الإلكترونية
• الذكاء الاصطناعي
• التكنولوجيا المتقدمة
• البنية التحتية الرقمية
لكن مع توجه أكثر انتقائية وتركيزًا، بدلًا من الانتشار الواسع عبر عشرات الشركات كما حدث خلال سنوات التوسع الخارجي السابقة.
الخليج يعيد توجيه رأس المال إلى الداخل
التحولات السعودية تتزامن مع اتجاه أوسع لدى الصناديق السيادية الخليجية لإعادة توجيه جزء أكبر من رؤوس الأموال نحو الأسواق المحلية، خاصة في قطاعات:
• السياحة والترفيه
• الخدمات اللوجستية
• الطاقة النظيفة
• التصنيع المتقدم
• البنية التحتية
• التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي
ويأتي ذلك في إطار سعي حكومات الخليج لتحويل الصناديق السيادية من مجرد أدوات استثمار مالي عالمي إلى محركات مباشرة للتنويع الاقتصادي المحلي.
ما الذي يجب مراقبته؟
• مستقبل الطلب الأجنبي على سندات الخزانة الأميركية
• اتجاهات الصناديق السيادية الخليجية نحو الأصول المحلية
• تأثير أسعار الفائدة الأميركية على تدفقات رؤوس الأموال
• قدرة PIF على تحقيق توازن بين العوائد والسيولة
• انعكاسات خفض الانكشاف على الأسهم الأميركية عالميًا
في المحصلة، تعكس التحركات الخليجية الأخيرة تحولًا أعمق في إدارة الثروة السيادية، حيث تتجه الأولوية تدريجيًا من التوسع العالمي واسع النطاق إلى بناء اقتصادات محلية أكثر تنوعًا، مع الحفاظ على حضور انتقائي ومدروس داخل الأسواق الدولية.
اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.