وقّعت شركة ترميز كابيتال، وهي شركة تقنية مالية سعودية مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومرخّصة من هيئة السوق المالية، اتفاقية استراتيجية مع جامعة IE في مدريد. وتشمل الشراكة مجالات البحث في الذكاء الاصطناعي، وتطوير مناهج في التكنولوجيا المالية، واستقطاب المواهب، وتنظيم فعاليات مشتركة، من بينها هاكاثون مُخطط عقده في أكتوبر. ويُعد هذا أول اتفاق مؤسسي رسمي من هذا النوع بين شركة فنتك سعودية وجامعة أوروبية مرموقة.
يواجه القطاع المالي في السعودية تحديًا في جانب المواهب لا يمكن لرأس المال وحده حله. فقد التزمت المملكة ببناء اقتصاد قائم على المعرفة ضمن رؤية 2030، واستثمرت بكثافة في البنية التحتية المالية، والإصلاحات التنظيمية، ورقمنة أسواق المال. لكن التحدي الذي لم يُحل بعد يتمثل في خط الإمداد البشري نفسه. إذ إن إنتاج والاحتفاظ بالمهندسين، وعلماء البيانات، ومشغّلي شركات التكنولوجيا المالية القادرين على تشغيل نظام مالي مدفوع بالذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، يمثل معضلة مختلفة كليًا.
تمثل اتفاقية ترميز كابيتال وجامعة IE أحد الحلول المحتملة لهذا التحدي، كما تعكس اتجاهًا واضحًا في بحث شركات الفنتك السعودية عن حلول خارج الحدود المحلية، وبعيدًا عن البنية الأكاديمية القائمة في الخليج، باتجاه أوروبا.
لماذا هذا الاتفاق مهم؟
تتجاوز هذه الشراكة نطاق معظم الاتفاقيات المؤسسية المماثلة. إذ ستعمل ترميز كابيتال وجامعة IE على تطوير محتوى تعليمي مشترك، وإنتاج أبحاث حول توسّع نماذج الفنتك عبر الأسواق. كما سيتم إنشاء مسار مباشر لتوظيف خريجي IE في السوق السعودي عبر دمج منصات التوظيف المؤسسية. وتم تأكيد تنظيم هاكاثون مشترك مع مؤسسة IE وكلية العلوم والتكنولوجيا في الجامعة خلال أكتوبر.
بالنسبة لمنظومة الفنتك في السعودية، يُعد عنصر استقطاب المواهب هو الأكثر حساسية. تمتلك جامعة IE شبكة خريجين عالمية تضم أكثر من 84 ألف شخص في 185 دولة، فيما يأتي طلابها من أكثر من 160 دولة. هذا الدمج المنظم بين الشبكة العالمية للجامعة وآليات استقطاب ترميز كابيتال يفتح الباب أمام وصول مباشر إلى خريجين دوليين متخصصين في الفنتك وعلوم البيانات، وهو ما لا يستطيع السوق السعودي المحلي توفيره بعد على هذا المستوى من الحجم أو التنوع.
كما أن البُعد البحثي يحمل أهمية إضافية. إذ يمنح إنتاج أوراق بحثية مشتركة ومساهمات فكرية حول توسع الفنتك في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ترميز كابيتال ميزة نادرة في هذا القطاع: المصداقية الأكاديمية. وفي صناعة تعتمد على الثقة كأصل تجاري أساسي، تصبح هذه المصداقية ذات قيمة تشغيلية مباشرة، خصوصًا لشركة تطور بنية تحتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأسواق الدين الخاص وإصدارات الصكوك.
وقد أوضح سالم الجعويني, الشريك المؤسس ورئيس الاستراتيجية في ترميز كابيتال وخريج جامعة IE، منطق هذه الخطوة بوضوح، مشيرًا إلى خبرة الجامعة في الابتكار وريادة الأعمال وعلوم البيانات باعتبارها مكملًا مباشرًا لما تبنيه الشركة داخل النظام المالي السعودي. وكان الجويني قد أنهى دراسته في IE عام 2015، ما يجعل هذه الشراكة امتدادًا لعلاقة شخصية تحولت إلى إطار مؤسسي.
بناء القدرات
لا يمكن النظر إلى هذه الاتفاقية كحدث منفصل. فهي تعكس نمطًا متزايد الوضوح لدى أكثر الشركات طموحًا في الخليج: بناء القدرات العالمية يتطلب الوصول إلى مؤسسات عالمية، وهذه المؤسسات باتت أكثر استعدادًا للتفاعل.
نائبة رئيس IE للشراكات العالمية والخريجين، إينيس دريسلمن, كانت صريحة في توصيف اللحظة، معتبرة أن السعودية ليست بصدد التحول فحسب، بل تعيشه بالفعل. وأشارت إلى أن الجامعة تريد أن تكون جزءًا من هذا المسار الآن وليس بعد عامين. هذا الطرح مهم لأنه يعكس إدراكًا أوروبيًا بأن بعض أهم الشراكات المستقبلية للجامعات ستأتي من أسواق مثل السعودية.
بالنسبة لترميز كابيتال تحديدًا، تعزز الاتفاقية مسارًا استراتيجيًا كانت الشركة تعمل عليه، إذ ساهمت في تسهيل أكثر من 3.5 مليار ريال سعودي في برامج تمويل عبر 12 قطاعًا، باستخدام بنية تحتية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لرقمنة عمليات الاكتتاب، وتقييم المخاطر الائتمانية، وإصدار الصكوك. ومن هذا المنظور، فإن الشراكة مع IE تعزز موقعها كلاعب يبني بنية تحتية مالية طويلة الأجل، وليس مجرد منصة لتنفيذ المعاملات.
وعلى مستوى قطاع الفنتك السعودي عمومًا، تفتح هذه الخطوة سؤالًا مهمًا: إذا تمكنت شركة واحدة من بناء علاقة مؤسسية مع جامعة أوروبية رائدة، فما الذي يمكن أن يترتب على ذلك من حيث جذب المواهب العالمية وتعزيز المصداقية الأكاديمية للقطاع ككل؟
ميزة السبق في هذا النوع من العلاقات قد تكون حاسمة.
ما الذي يجب مراقبته
يمثل الهاكاثون المقرر في أكتوبر أول اختبار عملي للشراكة، والمؤشر الأول على ما إذا كانت ستنتج قيمة فعلية أم ستبقى في إطار الإعلان. تختلف جودة وتأثير الهاكاثونات التي تنظمها المؤسسات المالية والجامعات بشكل كبير، لكن مشاركة مؤسسة IE وكلية العلوم والتكنولوجيا في التنظيم تشير إلى جدية مؤسسية من الجانب الأكاديمي. ويبقى السؤال الأساسي: هل ستنتج هذه الفعالية حلولًا مرتبطة فعلًا بالتحديات التشغيلية لترميز كابيتال؟
أما المؤشر الأهم على المدى الأطول فهو مسار التوظيف. فدمج منصات التوظيف بين IE وترميز كابيتال ليس حدثًا عابرًا، بل التزام هيكلي مستمر. وسيكون حجم وجودة الخريجين الذين يمرون عبر هذا المسار خلال السنتين إلى الثلاث سنوات القادمة هو المقياس الحقيقي لنجاح الاتفاقية أو محدوديته.
اذا كنت ترى شيءً غير صحيح او ترغب بالمساهمه في هذا الموضوع، قم بمراجعه قسم السياسة التحريرية.